دُرّ النجف

المواعظ والتأملات

آفة الرياء

في كلام لإمامنا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في نهج البلاغة قال عليه السلام:

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تُحَسِّنَ فِي لَامِعَةِ الْعُيُونِ عَلَانِيَتِي، وتُقَبِّحَ فِيمَا أُبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتِي.١ الإمام عليه السلام في هذا المقام يعوذ بالله سبحانه وتعالى من هذه الحالة وهي حالة الرياء. أي أن علانيتي تكون حسنة في لامعة العيون وأمام الناس. فيكون ظاهر الإنسان وما يعلنه للناس أمراً حسناً، ولـكن يقبح فيما أبطن لله سريرته.

وتلك حالة الرياء.

ثم يضيف الإمام عليه السلام، يقول:

مُحَافِظاً عَلَى رِثَاءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي، بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلـِـعٌ عَلَيْه مِنِّي، فَأُبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي، وأُفْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءِ عَمَلِي، تَقَرُّباً إِلَى عِبَادِكَ وتَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ.

وهكذا يكون حال المرائي، يتقرب إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، بينما يبعد نفسه عن مرضاة الله سبحانه وتعالى، لأن في السر وفيما أبطن لا يأتي بما أعلنه للناس.

فهو عند الناس على وضع حسن وجيد، بينما هو في الواقع ليس هكذا.

فإذن هو يريد مرضاة الناس ورضاهم وجلب قلوبهم، بينما بينه وبين ربه هو لا يفعل ذلك، وهو يتباعد عن الله سبحانه وتعالى ويتقرب إلى الناس.

هذه حالة الرياء!

وان أحدى الآفات في المجتمع التي نبتلي بها من خلال وضعنا وعملنا، فعلى الإنسان أن يواظب دائماً على ألا يقع في حالة من هذا القبيل.

الاهتمام أمام الناس بالمظهر الجيد والكلام الصادق والجميل بينما ما يبطنه خلاف ذلك مشكل لا بد من علاجه والنظر به بجدية.

إذا خلا الانسان ما بينه وبين ربه لا يأتي بالأعمال التي يأتي بها عندما يظهر أمام الناس، سواء كانت في صلاته وصومه وفي دعائه ومظهره وتقشفه وفي كثير من الأمور، هو يظهر للناس أنه على مستوى عالٍ من العبادة والزهد في الدنيا والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى والاتيان بالواجبات والمستحبات، ولـكن إذا خلا إلى نفسه لا يفعل ذلك، وتراه هو أبعد ما يكون عن العابدين والزاهدين وعمن يطيع الله سبحانه وتعالى، لـكن أمام الناس يظهر خلاف هذا، وهذه حالة نبتلى فيها جميعاً.

علينا أن نحاسب أنفسنا على ذلك وأن نبتعد عن هذا الطريق لأنه يؤدي إلى كثير من المفاسد، إذا تعود الإنسان على ذلك سوف يستسهل ترك الأمور التي يأتي بها أمام الناس، ولا يأتي بها، ويكون كل همه منصبٌّ على أن يُظهرَ للناس هذه الأمور فقط، وبهذا يفقد حالة التقرب إلى الله ولا يكسب الثواب على تلك الأعمال. بل يكسب ما هو أشد وهو العقاب والمبغوضية على هذه الأعمال، لأنه لا يتقرب إلى الله وإنما يتقرب إلى الناس، وحينئذٍ لا يكون مرضياً عند الله سبحانه وتعالى.

الحالة السوية هي الحالة المطلوبة شرعاً:

أن يكون الإنسان ظاهره كباطنه، أي لا يختلف باطنه عن ظاهره.

بمعنى:

أن الشيء الذي يأتي به أمام الناس هو يفعله وما يفعله هو يأتي به أمام الناس، لا أن يزيد في ذلك.

هو لا يأتي بالمستحبات عندنا يكون في عزلة، ولـكنه يأتي بها أمام الناس، هذه حالة موجودة قد تحصل عند البعض. إذا حضر في مجتمعه يلتزم بالمستحبات، أو يطيل في صلاته بينما بينه وبين نفسه لا يطيل في صلاته، أمام الناس هو يعتني بصلاته وصيامه ويتعوذ من الشيطان الرجيم ويسبح، إلى آخره مما يسوّل له الشيطان ذلك.

علينا أن نهتم بهذا الأمر، كما قال الإمام عليه السلام، لأن الإنسان بذلك يكون متقرباً إلى الناس ومتباعداً عن مرضاة الله سبحانه وتعالى، نستجير بالله أن نكون كذلك.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.