قبل أن أقرأ هذه الرواية أحب أن أنبه على شيء، وهو أن الإنسان في كثير من الأحيان، قد يخطر في باله -إذا كان هذا الشخص ممن قد منَّ الله عليه سبحانه وتعالى بالنعم الـكثيرة، الصحة والأولاد والمال والجاه وكذا، قد يتخيل هذا الإنسان لأن هذا لـكونه محبوبا لله سبحانه وتعالى يغدق عليه هذه النعم، أن الله يحبه فيعطيه هذه النعم، ولو لم يحبه لا يعطيه هذه النعم.
هذا معناه أنه يستكشف من المحبوبية والقرب إلى الله!
قد هذا الإنسان يتخيل هذا أنه لأنه قريب من الله، الله يعطيه هذه النعم.
ولـكن في المقابل هناك احتمال ثاني وهذا ينبغي أن يؤخذ بنظر الاعتبار، وهو أن هذا يكون باب الاستدراج والإملاء وليس من باب القرب من الله سبحانه وتعالى والمحبوبية.
في روايات عندنا هناك طائفتين من الأخبار، الشيخ الكليني في الكافي ذكرهما، في مكانين متقاربين:
الطائفة الأولى بعنوان الاستدراج والطائفة الثانية بعنوان المعافين من البلاء كمصداق واحد للنعم أن الإنسان في بعض الأحيان لا يبتلى بالمرض أو مطلق الابتلاء، معافى دائما هو في حال صحة تامة، وليس عنده مشكلة، هذه نعمة من النعم.
في باب الاستدراج ذكر روايات كثيرة تشير الى أن الله سبحانه وتعالى في بعض الأحيان يستدرج العبد حينما يكون هذا العبد ميؤوساً من صلاحه، الله سبحانه وتعالى يغدق عليه بالنعم لـكي يزداد إثم كما تقول الشريفة:
وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ◌ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ» إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، هذا هو الاستدراج، يعطيه النعم حتى يزداد إثماً، هذا لا يكون إلا في حالة اليأس من صلاح الإنسان.
لذا، فليلاحظ الإنسان الذي أغدق الله عليه من النعم أنه من هذا القبيل، أن هذا من قبيل الاستدراج.
فقد يكون الإنسان هو غافل، لـكن الله سبحانه وتعالى المطلع على أحواله، وهو يعلم بأنهم ميؤوس من صلاحه فيغدق عليه النعم، ليستحضر هذا الاحتمال، أن هذه النعم الـكثيرة هي من باب الاستدراج. حتى يزدادَ إثماً ويصل إلى ما يستحقه.
احتمال اخر ايضا كما تشير اليه الرواية في الطائفة الثانية، هذه الروايات واردة في الكافي في باب المعافين من البلاء، وهناك روايات كثيرة، وفيها ما هو صحيح سندا.
الرواية الأولى
عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ وغَيْرِهِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ )ع( قَالَ:
إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ضَنَائِنَ يَضَنُّ بِهِمْ عَنِ الْبَلَاءِ فَيُحْيِيهِمْ فِي عَافِيَةٍ ويَرْزُقُهُمْ فِي عَافِيَةٍ ويُمِيتُهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَيَبْعَثُهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَيُسْكِنُهُمُ الْجَنَّةَ فِي عَافِيَةٍ. ٤٥
هذه صيغة منتهى الجموع.
الرواية الثانية
عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ )ع( قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ خَلْقاً ضَنَّ بِهِمْ عَنِ الْبَلَاءِ خَلَقَهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَأَحْيَاهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَأَمَاتَهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَأَدْخَلَهُمُ الجنة في عافية. ٥٥ الرواية الثالثة عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وعِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ جَمِيعاً عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ )ع( قَالَ:
إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ضَنَائِنَ مِنْ خَلْقِهِ يَغْذُوهُمْ بِنِعْمَتِهِ ويَحْبُوهُمْ بِعَافِيَتِهِ ويُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ تَمُرُّ بِهِمُ الْبَلَايَا وَالْفِتَنُ لَا تَضُرُّهُمْ شَيْئاً.٦٥
هذه الأحاديث صحيحة وهي للمعافين!
أما الروايات بشأن الاستدراج، نذكر بعضا منها:
الرواية الأولى
عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنْدَبٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ السِّمْطِ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ )ع(:
إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً فَأَذْنَبَ ذَنْباً أَتْبَعَهُ بِنَقِمَةٍ ويُذَكِّرُهُ الِاسْتِغْفَارَ وإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرّاً فَأَذْنَبَ ذَنْباً أَتْبَعَهُ بِنِعْمَةٍ لِيُنْسِيَهُ الِاسْتِغْفَارَ ويَتَمَادَى بِهَا وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- ... سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لٰا يَعْلَمُونَ ...
وَالنِّعَمُ عِنْدَ الْمَعَاصِي. ٧٥
الرواية الثانية
عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ:
سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ )ع( عَنِ الِاسْتِدْرَاجِ فَقَالَ:
هُوَ الْعَبْدُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُمْلَى لَهُ وتُجَدَّدُ لَهُ عِنْدَهَا النِّعَمُ فَتُلْهِيهِ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ فَهُوَ مُسْتَدْرَجٌ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ...٨٥
الرواية الثالثة
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ:
سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ )ع( عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ:
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لٰا يَعْلَمُونَ قَالَ:
هُوَ الْعَبْدُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَتُجَدَّدُ لَهُ النِّعْمَةُ مَعَهُ تُلْهِيهِ تِلْكَ النعمة عن الاستغفار من ذلك الذنب. ٩٥
النتيجة
إذن النعم التي يغدقها الله سبحانه وتعالى علينا لها تفسيران:
إما هي من باب الاستدراج وإما من باب قرب الإنساني من الله سبحانه وتعالى لـكن الإنسان ينبغي ألا يتكل على الثانية، دائما يستحضر أن هذا من باب الاستدراج، فلذلك هو يحاول دائما عندما يعطيه الله سبحانه وتعالى نعمة من النعم، أن يؤدي حق هذه النعمة، التي أغدقها عليه، ويؤدي حقها عن طريق الشكر والتقرب إلى الله، ولا أقصد من الشكر اللساني )الحمد لله(، فهذا غير كاف، بل عليه أن يشكر الله سبحانه وتعالى بطاعته، والتقرب له، وبتحقيق ما يرضيه سبحانه وتعالى، والابتعاد عما يسخطه، بذلك يكون قد أدى حق هذه النعمة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.