نستذكر ولادة الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف الذي نعيش من أفضاله ونحن محسوبون عليه، ونأكل من ماله الخاص ونعيش عليه، بالنسبة لما يرتبط بنا نحن، نعيش على ملك الامام عليه السلام وسهم الامام، هناك مطلب ينبغي أن نستذكره دائما، هناك كلام الشيخ الأنصاري نجعله مقدمة للحديث.
الشيخ الأنصاري في دليل الانسداد في الرسائل، في تنبيهات الانسداد، في التنبيه الثاني يتكلم عن مجموعة من الأمور التي يقول فيها:
فاللازم على المجتهد أن يتأمّل في الأمارات، حتّى يعرف المتيقّن منها حقيقة أو بالإضافة إلى غيره، ويحصّل ما يمكن تحصيله من الأمارات القائمة على حجّية تلك الأمارات، ويميّز بين تلك الأمارات القائمة من حيث التساوي والتفاوت من حيث الظنّ بحجّية بعضها من أمارة اخرى، ويعرف كفاية ما أحرز اعتباره من تلك الأمارات وعدم كفايته في الفقه.
وهذا يحتاج إلى سير مسائل الفقه إجمالا، حتّى يعرف أنّ القدر المتيقّن من الأخبار لا يكفي مثلا في الفقه، بحيث يرجع في موارد خلت عن هذا الخبر إلى الاصول التي يقتضيها الجهل بالحكم في ذلك المورد، وأنّه إذا انضمّ إليه قسم آخر من الخبر- لكونه متيقّنا إضافيّا، أو لكونه مظنون الاعتبار بظنّ متّبع- هل يكفي أم لا؟
فليس له الفتوى على وجه يوجب طرح سائر الظنون حتّى يعرف كفاية ما أحرزه من جهة اليقين أو الظنّ المتّبع
فالمجتهد، يعني طالب العلم، ينبغي أن يتأمل في المسائل كلها حتى يتوصل إلى أن ما يملـكه من الأدلة وما يملـكه من الأمارات المعتبرة يشبع حاجة هذه المسائل، ويستطيع أن يجيب عن هذه المسائل ويعطي أحكام لهذه المسائل، أو لا؟
أنه لا يصل إلى هذه المستوى، يقصر عن هذا، فإذا شعر بأن ما ثبت حجيته من الأمارات لا يكفي لهذه المسائل المبثوثة في الفقه، فلا بد أن يضم إليها إلى هذه الأمارات أخبار أخرى، أمارات أخرى، تكون مثلا أقل درجة من الأمارات المعتبرة، لـكن هي أقرب إليها، يكون اعتبارها بالإضافة -كما يعبر-، إذا لم يكف هذا الذي أضافه فينظر في حالات أخرى، حينئذ ينتقل
إلى الظن، إلى الأمارات المظنونة التي لم يقم الدليل على اعتبارها، بتعبير آخر يقول:
حتى نصل إلى دليل الانسداد الذي نثبت به حجية الظن مطلقا، لا بد أن نبذل الجهد في معرفة الإمارات المعتبرة وغير المعتبرة، ثم نلاحظ المسائل لنرى أن الإمارات المعتبرة تكفي لسد هذه الحاجة أو لا؟
فإذا لم تكفي نظم إليها قسم أخر من الأخبار، وإذا لم تكفي عندئذ أن ننتقل مثلا إلى العمل بالظن، على كل هذا مطلب جانبي، المهم أنه عندما نصل إلى هذه النقطة يذكر هذا الشيء:
وفّقنا اللهّ للاجتهاد الذي هو أشدّ من طول الجهاد، بحقّ محمّد وآله الأمجاد.
يقول بأنه يدعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقه للاجتهاد.
ويوفقنا الله للاجتهاد الذي هو أشد من طول الجهاد، في هذه العبارة واضح أنه لا يركز على أهمية الاجتهاد، وتأثيره في استمرار الحركة الفكرية وديمومتها وعدم انتكاستها، ليس له علاقة بهذا...
هو يبېن صعوبة الاجتهاد، أن الطريق صعب جدا وأشد من طول الجهاد، الجهاد بما يحمله من معاناة ومن تحمل مصائب وتوطين النفس على الموت تحت ظلال السيوف وتحت ظلال المعارك.
الملفت للنظر أن هذا الكلام يقوله الشيخ في الرسائل.
يعني يقوله بعد أن ألف كتاب الرسائل، حيث يذكر الانسداد في أواخره، والشيخ الأنصاري في الرسائل عرض كل نظرياته وآراءه في الرسائل.
فهو يقول هذا الكلام وهو واصل إلى درجة عالية من درجات العلم، يعني مرتبة علمية عالية عندما ألف كتاب الرسائل، مع ذلك هو يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يرزقه الاجتهاد!
هذه العبارة تكشف عن أنه هو لا يرى نفسه مجتهداً بالرغم من وصوله إلى هذه المرتبة، ولم يقل -مثلا- اللهم ارزقني الدرجات العالية من الاجتهاد، بل قال:
وفّقنا اللهّ للاجتهاد الذي هو أشدّ من طول الجهاد، بحقّ محمّد وآله الأمجاد.
هذا بيان صعوبة الاجتهاد، وأنه لا ينال إلا بعد بذل جهود جبارة وكثيرة، عندئذ يصل الإنسان إلى هذه الدرجة، من دون بذل جهود لا يصل الإنسان إلى هذه الدرجة!
أصحاب الهمة العالية وأصحاب الاجتهاد الذين يريدون أن يصلوا إلى درجة الاجتهاد، في الحقيقة يشعرون بأن هذا الوقت الذي خلقه الله سبحانه وتعالى لهم لا يكفيهم، يحتاجون إلى مزيد من الوقت، يشعرون بذلك، يحتاج إلى معاناة، يحتاج إلى بذل جهد، يحتاج إلى...
حتى نستطيع أن نقول بأننا من نستحل أكل سهم الإمام عليه السلام، يجب أن نقدم شيئا للإمام عليه السلام حتى نستحل أن نأكل من ماله ومن سهمه المبارك، لابد أن نقدم شيء.
لا أريد أن أقول بأن تقديم الشيء الموجب لتحليل أكل سهم الإمام يختص بهذا، لا، إطلاقا لا يختص بهذا، كل تبليغ للدين، كل دعوة إلى الدين كل نشر أفكار أهل البيت عليهم السلام من خلال الوسائل الـكثيرة، مهما كانت هذه الوسائل، هو في خدمة الدين، ويستحل بها من يعمل ذلك سهم الإمام عليه السلام ويكون حلالا له، أنا لا أشك في هذا، ليس مقصورا على هذا، لـكن نحن الذين قصرنا أنفسنا على هذا، وافترضنا أننا من طلاب الحوزة، وأننا سائرين على هذا الطريق.
نحتاج إلى أن نجتهد في هذا الطريق كما اجتهد الشيخ الأنصاري قدس الله نفسه الزكية.
الشيخ الأنصاري لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بعد جهود مضنية ومعاناة في ذاك الزمان.
في ذلك الزمان الذي كانوا يتحسرون على لقمة الخـبز!
طبعا ذاك الزمان نحن ما أدركناه لـكن أدركنا أواخره.
كانت حسرة عليهم الأمور التي هي عندنا الآن أمور مبذولة ولا يعتنى بها أصلا، كان يتحسر عليها!
الضياء حسرة عليهم...
كان طالب العلم لا يمكنه أن يدرس لأنه لا يملك الضياء فيضطر إلى أن يذهب إلى الشارع لأن هناك شمعة.
أو يذهب إلى مدرسة أو يذهب إلى مسجد أو يذهب إلى مكان فيه نور حتى يطالع في الليل!
هكذا همة كانت عندهم، بالرغم من هذه المعاناة وهذه الصعوبة وشظف العيش الذي عانوا منه، كان عطاؤهم أكثر من عطائنا، بالرغم من توفر الإمكانيات بالنسبة لنا، لـكن مع ذلك نمونا العلمي ضعيف، عطاؤنا أقل من عطائهم.
هذا يحتاج إلى همة، يحتاج إلى إرادة، يحتاج إلى عزيمة، أن نكون مثلهم على الأقل...
وهذا لا يكون إلا ببذل الجهد، وتوطين النفس، واستفراغ الوسع كله والاستفادة من الوقت كله في هذا الطريق، حتى يوفقنا الله سبحانه وتعالى لمرضاته، ويجعل لنا من الذين يأكلون سهم الإمام بنحو الحلال إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.