دُرّ النجف

المواعظ والتأملات

استشعار التقصير

من جملة الأمور التي تعرضت لها الروايات وحث عليها الأئمة عليهم السلام، وهذا الشيء له دخل في وصول الإنسان في درجات الـكمال إلى المراحل العليا، وتقرب الإنسان من المولى سبحانه وتعالى، مسألة مهمة جداً هي مسألة الإحساس بالتقصير وإشعار الإنسان نفسه بأنه هو دائماً مقصر أمام المولى سبحانه وتعالى.

أي أنه مقصرٌ في عبادته، مقصرٌ في طاعته، مقصر في شكره، مقصر في كل شيء اتجاه المولى سبحانه وتعالى.

المهم أن يستشعر هذا في داخل نفسه.

أن يستشعر أنه هو لا يخرج عن حد التقصير مهما فعل، سواء من العبادات، أو من الطاعات، من أي نوع من الثواب، هو يبقى غير خارج عن حد التقصير بالنسبة للمولى سبحانه وتعالى.

إشعار النفس بهذا له فوائد كثيرة:

منها أن الإنسان دائما يحاول أن يتجاوز هذا التقصير ويسد هذا النقص في نفسه عن طريق التقرب إلى الله سبحانه وتعالى عن طريق الإتيان بالعبادات أكثر، لأنه مهما جاء بالعبادات فهو لا زال مقصر وهذا يدفعه إلى سلوك الطرق التي توصله إلى الله سبحانه وتعالى وتقربه منه بأمل أن يخرج من حد التقصير، فهو يزيد في عبادة الإنسان، ويجعله متشوقا أكثر، ولـكن إلى ماذا؟

إلى العبادة وإلى التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

هذا الشيء وارد في الروايات.

روايات كثيرة تأمر بأن الإنسان لا بد أن يستشعر بالتقصير في عباداته، وفي طاعاته يقول الإمام عليه السلام في بعض هذه الروايات كما ذكرت في البحار عن الأمالي للشيخ الطوسي:

بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي خَلَفٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ)ع( أَنَّهُ قَالَ:

عَلَيْكَ بِالْجِدِّ ولَا تُخْرِجَنَّ نَفْسَكَ عَنْ حَدِّ التَّقْصِيرِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعْبَدُ حَقَّ عِبَادَتِهِ.٧ هذه حقيقة مسلمة ومفروغ منها أن الله سبحانه وتعالى لا يعبد حق عبادته، فالإنسان مهما فعل يكون مقصرا. في رواية، عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ، قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ)ع(:

يَا جَابِرُ لَا أَخْرَجَكَ اللَّهُ مِنَ النَّقْصِ وَالتَّقْصِيرِ.٨ ويدعو لجابر بهذا الدعاء بأن يعد عباداته ناقصة، ويعد نفسه مقصرا. لا أخرجك الله من النقص والتقصير.

أنت دائماً لابد أن تكون في حالة شعور بأن عبادتك ناقصة وأنك مقصر.

في رواية ثالثة يقول عليه السلام:

عَنْهُ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ)ع( قَالَ، قَالَ لِي:

أَكْثِرْ مِنْ أَنْ تَقُولَ- اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِنَ الْمُعَارِينَ ولَا تُخْرِجْنِي مِنَ التَّقْصِيرِ.

قَالَ: قُلْتُ: أَمَّا الْمُعَارِينَ فَقَدْ عَرَفْتُ فَمَا مَعْنَى لَا تُخْرِجْنِي مِنَ التَّقْصِيرِ؟

قَالَ: كُلُّ عَمَلٍ تَعْمَلُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكُنْ فِيهِ مُقَصِّراً عِنْدَ نَفْسِكَ فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ فِي مَا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُقَصِّرُونَ.٩ هنا الامام عليه السلام يـأمرنا أن نشعر أنفسنا بأننا مقصرون!

ثم يقول كل عمل تريد الله سبحانه وتعالى فكن فيه مقصرا عند نفسك، فإن الناس كلهم في أعمالهم فيما بينهم وبين الله مقصرون!

سيرة أئمتنا عليهم السلام على هذا في أدعيتهم وما ورد عنهم عليهم السلام في عباداتهم كانوا يشعرون بالتقصير، دائما هو يكرر هذا المعنى.

في حديث يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام عند سؤال معاوية لضرار بن ضمرة الكناني عليه وسأله أن يصف له عليّاً:

فَقَالَ: أَوَ تُعْفِينِي مِنْ ذَلِكَ قَالَ لَا أَعْفُوكَ.

قَالَ: أَمَّا إِذْ لَا بُدَّ فَإِنَّهُ كَانَ وَاللَّهِ بَعِيدَ الْمُدَى شَدِيدَ الْقُوَى يَقُولُ فَصْلًا وَيَحْكُمُ عَدْلًا يَتَفَجَّرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ وَتَنْطِقُ الْحِكْمَةُ عَلَى لِسَانِهِ يَسْتَوْحِشُ مِنَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا وَيَأْنَسُ بِاللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ كَانَ وَاللَّهِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ طَوِيلَ الْفِكْرَةِ يُقَلِّبُ كَفَّهُ وَيُخَاطِبُ نَفْسَهُ يُعْجِبُهُ مِنَ اللِّبَاسِ مَا قَصُرَ وَمِنَ الطَّعَامِ مَا جَشَبَ كَانَ وَاللَّهِ مَعَنَا كَأَحَدِنَا يُدْنِينَا إِذَا أَتَيْنَاهُ وَيُجِيبُنَا إِذَا سَأَلْنَاهُ وَكَانَ مَعَ دُنُوِّهِ لَنَا وَقُرْبِهِ مِنَّا لَا نُكَلِّمُهُ هَيْبَةً لَهُ فَإِنْ تَبَسَّمَ فَعَنْ مِثْلِ اللُّؤْلُؤِ النَّظِيمِ.

يُعَظِّمُ أَهْلَ الدِّينِ ويُحِبُّ الْمَسَاكِينَ لَا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ وَلَا يَيْأَسُ الضَّعِيفُ عَنْ عَدْلِهِ.

حتى وصل الى هذه الفقرة في وصفه عليه السلام وقال:

أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَقَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُدُولَهُ وَغَارَتْ نُجُومُهُ مُمَاثِلًا فِي مِحْرَابِهِ قَابِضاً عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ وَكَأَنِّي أَسْمَعُهُ وَهُوَ يَقُولُ:

يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا أَبِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ.

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي.

لَا حَانَ حِينُكِ قَدْ أَبَتُّكِ ثَلَاثاً.

عُمُرُكِ قَصِيرٌ وَخَيْرُكِ حَقِيرٌ وَخَطَرُكِ غَيْرُ كَبِيرٍ.

ثم قال عليه السلام:

آهِ آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ...

فَوَكَفَتْ دُمُوعُ مُعَاوِيَةَ عَلَى لِحْيَتِهِ وَجَعَلَ يَسْتَقْبِلُهَا بِكُمِّهِ واختنق القوم جميعاً بالبكاء. ٠١ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ما معنى أن يقول:

آهِ آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ...

والإمام أعماله وعباداته، كل ما صدر منه، خدمته للإسلام، والإسلام قام على سيفه وعلى جهاده وهذا كله عبادة.

ضربة من ضرباته يقول عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصادق المصدق:

هي تعدل عبادة الثقلين. ضربة ما استغرقت منه إلا دقائق.

ورد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:

لضربة علي خير من عبادة الثقلين. ١١ مع ذلك هو يقف ويبكي ودموعه تجري على خديه يقول:

آهِ آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ...

يعني هذا في سفر الآخرة لا يوجد زاد أحمله في هذا السفر حتى يكون هو الـكفيل بأن ينجيني من أهوال يوم القيامة.

وليس مجاملة يقول هذا! لا، بل واقعاً يقوله.

هو يستشعر بأنه مقصر وتصدر منه هذه الكلمة، لأنه واقعاً يشعر بأنه مقصر.

فإذا كانت هذه الشخصية العظيمة وهذا الشخص الذي أعطى للإسلام ما لم يعطه غيره، يقول آه من قلة الزاد، ويشعر بالتقصير، أذاً ما حالنا نحن؟

نحن الذين لا نصل كالقطرة الصغيرة من الماء في هذه المحيطات الـكبيرة!

ماذا نكون نحن؟

علينا دائما أن نستشعر بالتقصير في عبادتنا، لأنه إذا ما استشعرنا هذا فإننا ننتقل إلى الحالة الأخرى المضادة لها والمناقضة لها، وهي حالة العُجُب، حالة الرضا عن النفس والعجب.

تصدر منا عبادة فنرتاح. يأخذنا الإعجاب بالنفس والزهو. وقد نتحدث بهذا حين نجلس في مجلس. صدر مني هذا الفعل، صدر مني كذا وقمت بكذا!

ينتقل الانسانُ إلى الحالة الأخرى والتي هي نقيض لحالة الشعور بالتقصير.

أمران متناقضان متنافيان. فعلينا دائما أن نستشعر بالتقصير في عباداتنا، مع أننا نصلي ونصوم. وأكثر من هذا ليس لدينا إلا الشيء القليل الجزئي.

فعلينا أن نستشعر بالعبادة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبقي هذا الشعور في نفوسنا، وأن يكون هذا الشعور دافعا لنا للمزيد من العبادات والطاعات والتقرب إليه سبحانه وتعالى.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.