دُرّ النجف

المواعظ والتأملات

الاستقامة وأثرها

آيات القرآن تلفت النظر وتستحق التأمل فيها. انظر لهذه الآية الموجودة في سورة فصلت.

قوله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ٺَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلـَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلـَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. ٢١ ٺتنزل الملائكة!

وهذه البشائر التي تعطى، لـكم ما تشتهي أنفسكم، لـكم ما تدعون!

نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. هذا كله لمن؟

للمؤمنين الذين يقولون ربنا الله واستقاموا.

التفت لهذه المسألة وتأمل بها كثيرا!

فأن يقول الانسان ربنا الله، مسألة سهلة جداً. لـكن الكلام في الاستقامة.

ينقل العلامة الأردبيلي في زبدة البيان في أحكام القرآن:

أنّه روي أنّه قال )صلّى اللهّ عليه وآله( شيّبتني سورة هود إذ فيها "فَاسْتَقِمْ كَمٰا أُمِرْتَ"

وفي الكشّاف عن ابن عبّاس:

ما نزلت على رسول اللهّ )صلّى اللهّ عليه وآله( في جميع القرآن آية كانت أشدّ ولا أشقّ عليه من هذه الآية، ولهذا قال:

شيّبتني سورة هود والواقعة وأخواتهما.

وروي أنّ أصحابه قالوا له لقد أسرع فيك الشيب، فقال:

شيّبتني سورة هود. ٣١

لأنه أمر فيها بالاستقامة، الاستقامة سهلة على اللسان.

الاستقامة تعني ماذا؟

الاستقامة تعني الثبات على الطريق، وعدم الانحراف عنه شمالا ويمينا.

هذا المنهج ومن يسير عليه ليس سهلاً، معناه أن الاستقامة منزلة عالية جداً.

نستطيع أن نعبر عنها بالعدالة.

الاستقامة تعني عدم الانسياق مع المؤثرات التي تحاول أن تحرف الإنسان عن السير على الجادة المستقيمة والطريق الصحيح.

مؤثرات خارجية أو داخلية، وساوس نفسية شيطانية.

الإنسان عندما يثبت، يجب أن يكون مستقيماً وماشياً في الطريق الصحيح ولا يتأثر بكل هذه العوامل. عندئذ نستطيع أن نقول أن هذا من الذين استقاموا.

فهي نوع من أنواع العدالة في الحقيقة، ولـكن بمراتب عالية جدا.

وليس سهلاً منع كل المؤثرات من أن تؤثر في الإنسان، وتحاول أن تحرفه قليلاً عن الطريق الصحيح الذي يمشي فيه. فمنعها وعدم التأثر بها وتجاوزها وإخضاعها لإرادته ليس أمراً سهلاً، ولذا ترتب عليه هذا الثواب العظيم.

أحد الأمور التي ذكرت الآية:

هو أن الملائكة عندما تبشرهم بهذا النعيم، أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ يقولون نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ان تكرار حرف الجر بمعنى نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

ولم يقل نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا والآخرة.

قد -والله العالم- يفهم منها أنه هناك نوعان من الولاية، وليست ولاية واحدة ٺثبت في هذين الموردين -في الحياة الدنيا والآخرة-، هناك ولايتان )ولاية الملائكة لهؤلاء القوم الصالحـين الذين استقاموا(:

ولاية في الحياة الدنيا.

وولاية في الاخرة.

ولعل طبيعة الأشياء تقتضي هذا، أن الولاية في الحياة الدنيا غير الولاية في الآخرة. فالملائكة يقولون نحن أولياء في الحياة الدنيا بنمط معين من الولاية، ونحن أيضا أولياء في الحياة الآخرة بنمط معين يختلف عن النمط الأول.

لأن الولاية )نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا( مفسرة بالتسديد والتأييد.

الذين وصلوا الى هذه المرحلة العالية فان الملائكة تسددهم وتأييدهم.

الملائكة مسدِّدون وهذا شيء يختص بأهل الولاية فقط.

هناك ملائكة العقاب، وملائكة الموت، وغيرهم، هذا لا يختص بالمؤمنين.

ولـكن هؤلاء الملائكة المختصين بأهل الولاية من المؤمنين، خاصة بالتسديد والتأييد.

السؤال: في الاخرة هل نحتاج الى تسديد ملائكة وتأييد ملائكة؟

قد نحتاجه بمعنى من المعاني في الآخرة، حيث الظاهر أن الولاية هناك لها معنى آخر غير الولاية في الحياة الدنيا. وهذا ما نلمسه لمس اليد.

يعني أن الإنسان عندما يكون صادقا مع ربه ومستقيما في طريقه ولا يميل عن هذا الطريق الصحيح الذي اتخذه طريقاً له مهما كانت الظروف ومهما كانت المؤثرات.

هذا يكون مسدَّداً ومؤيّدَاً من الملائكة.

الملائكة لا يفعلون إلا ما أمرهم الله سبحانه وتعالى بلا إشكال، لـكن الملائكة هي التي تسدده وتؤيده، وتجعل له سلطانا ظاهرا، وعزاً ظاهراً، بأذن الله عز وجل، وتسدده فيما يتخذ من قرارات.

الإنسان مهما كان قد يتخذ قراراً لـكن فيه احتمال من عدم المطابقة للواقع، أو لعل هناك قرارٌ أفضل منه.

لـكن الملائكة تسدُّدُه، فماذا اذا سددته؟

فيكون الانسان ناجحاً في حياته الدنيا كما هو ناجحُ في الآخرة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لأن ندرك شيئا من هذه الدرجات العالية.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.