دُرّ النجف

المواعظ والتأملات

البلاء والإملاء

للإمام الصادق عليه السلام كتابا بعثه إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن المثنى بن الحسن السبط عليه السلام. وله قضية معروفة من قبل الخلفاء العباسيين، حيث سُجِنَ وعياله وأولاده في وضع فجيع جدا. وقد تأثر الإمام عليه السلام كثيرا من هذا الوضع عندما بلغه ذلك.

والسيد ابن طاووس يروي هذا الكتاب بسند صحيح، وهذا مهم جدا، لأن السيد يرويه بإسناده عن الشيخ الطوسي عن المفيد عن الصدوق عن ابن الوليد عن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن أبي عمير، عن إسحاق بن عمار. وهذا السند صحيح بلا إشكال، والرواية معتبرة.

من هنا تكمن أهمية هذه الرسالة، وماذا يستفاد منها.

محمّد بن سعيد، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن القطراني، قال: حدّثنا حسين بن أيوب الخثعمي، قال: حدّثنا صالح بن أبي الأسود، عن عطيّة بن نجيح بن المطهر الرّازي وإسحاق بن عمّار الصّيرفيّ، قالا معاً:

إنّ أبا عبد اللَّه جعفر بن محمّد )عليه السلام( كتب إلى عبد اللَّه بن الحسن بيته يعزيه عما صار إليه رضى الله عنه١٤حين حمل هو وأهل:

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم إلى الخَلَفِ الصّالِحِ وَالذُّرِيَةِ الطَيِّبَةِ مِن وُلد أخيهِ وَابنِ عَمِّهِ، أمّا بَعدُ فَلَئِن كُنتَ تَفَرَّدتَ أنتَ وَأهلُ بَيتِكَ مِمّن حَمَلَ مَعَكَ بِما أصابَكُم، ما انفَردتَ بِالحُزنِ وَالغِبطَةِ وَالكآبَةِ وَأليمِ وَجَعِ القَلبِ دوني، فَلَقَد نالَني مِن ذلِكَ مِنَ الجَزَعِ وَالقَلَقِ وَحَرِّ المُصيبَةِ مِثلُ ما نالَكَ، وَلـكِن رَجَعتُ إلى ما أمَرَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ بِهِ المُتّقينَ مِنَ الصَّبرِ وَحُسنِ العَزاءِ حينَ يَقولُ لِنَبِيِّهِ )صلى الله عليه وآله(:

«وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا»، ثم يذكر له آيات الصبر الموجودة في الكتاب الكريم، تقريبا ست عشرة آية من الآيات ثم يذكر له آيات الصبر الموجودة في الكتاب التي تأمر بالصبر، ثم يقول:

وَاعلَم أيّ عَمّ وابن عمّ، إنّ اللَّهَ جَلَّ جَلالُهُ لَم يُبال بِضُرِّ الدُّنيا لِوَلِيّهِ ساعَةً قَطُّ، وَلا شَي ءَ أحَبُّ إلَيهِ مِنَ الضُّرِ وَالجَهدِ والأداء مَعَ الصَّبرِ، وَإنَّهُ تَبارَكَ وَتَعالى لَم يُبالِ بِنَعيمِ الدُّنيا لِعَدُوّهِ ساعَةً قَطّ، وَلَولا ذلِكَ ما كانَ أعداؤهُ يَقتُلونَ أولياءَهُ وَيُخيفونَهُم وَيَمنَعونَهُم، وَأعداؤهُ آمِنونَ مُطمَئِنونَ عالونَ ظاهِرونَ.

وَلَولا ذلِكَ ما قُتِل زَكَرِيّا، واحتَجَبَ يَحيى ظُلماً وَعُدواناً في بَغيٍّ مِنَ البَغايا.

وَلَولا ذلِكَ ما قُتِلَ جَدُّكَ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ )صلى الله عليه وآله(، لمّا قامَ بِأمرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ظُلماً، وَعَمُّكَ الحُسينُ بنُ فاطمة صلى الله عليهما، اضطهاداً وعدواناً. ٦١ لم يبال بضرر الدنيا لوليه ساعة قط. ولا شيء أحب إليه من الضر والجهد والبلاء مع الصبر. وأنه تبارك وتعالى لم يبال بنعيم الدنيا لعدوه ساعة قط، ليأخذ عدوهما ما شاء من نعيم الدنيا.

ولولا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه، يخوفونهم ويمنعونهم، وأعدائه آمنون مطمئنون ظاهرون، أن يقول:

ولولا ذلك لما قال في كتابه:

«أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ» ولولا ذلك لما جاء في الحديث أنه

إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْماً أَوْ أَحَبَّ عَبْداً صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ صَبّاً- فَلَا يَخْرُجُ مِنْ غَمٍّ إِلَّا وَقَعَ فِي غَمٍّ.

الرواية صحيحة السند، يعني ما ٺتضمنه من نقل أحاديث لابد أن تكون أيضا صحيحة، الحديث الذي ينقله الإمام عليه السلام، وهي أحاديث كثيرة ينقلها أيضا لابد أن تكون تامة سنداً، ولولا ذلك لما جاء في الحديث:

وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، مَا مِنْ جُرْعَتَيْنِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُجَرِّعَهُمَا عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيَا، مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَ عَلَيْهَا وَجُرْعَةِ حُزْنٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، صَبَرَ عَلَيْهَا بِحُسْنِ عَزَاءٍ وَاحْتِسَابٍ، وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ )صلى الله عليه وآله وسلم( يَدْعُونَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ، بِطُولِ الْعُمُرِ وصِحَّةِ الْبَدَنِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَ لَوْ لَا ذَلِكَ مَا بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ )ص( كَانَ إِذَا خَصَّ رَجُلًا، بِالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارِ اسْتُشْهِدَ.٨١ ما من جرعتين أحب إلى الله عز وجل أن يجرعهما عبده المؤمن في الدنيا من:

جرعة غيظ كظم عليها، وجرعة حزن عند مصيبة صبر عليها، يحسن عزاءاً واحتساباً.

ثم في ذيل الرواية يقول عليه السلام:

فَعَلَيْكُمْ يَا عَمِّ وَابْنَ عَمِّ وَبَنِي عُمُومَتِي وإِخْوَتِي بِالصَّبْرِ، وَالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالرِّضَا بِالصَّبْرِ عَلَى قَضَائِهِ وَالتَّمَسُّكِ بِطَاعَتِهِ، وَالنُّزُولِ عِنْدَ أَمْرِهِ أَفْرَغَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمُ الصَّبْرَ وَخَتَمَ لَنَا وَلـَكُمْ بِالْأَجْرِ وَالسَّعَادَةِ، وَأَنْقَذَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ كُلِّ هَلـَكَةٍ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ.

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى صَفْوَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ.

يجب أن نعرف تكليفنا في هكذا روايات، فهي رواية صحيحة، وتقول بأنه إذا أحب الله عبدا ابتلاه.

ويجب أن نلاحظ أنفسنا ان لم نكن مبتلين!

فما مفهوم هذه الأحاديث؟

يعني يجب أن نفكر كثيراً، أنه إذا لم يكن لدينا ابتلاء، يعني أن الله أعطانا ما نريد. فهو عز وجل أعطانا الصحة، أعطانا العافية. أعطانا الحرية والقدرة أن نتحرك كيف نشاء ونذهب أين نشاء.

لم يجعلنا يوماً جائعين بالمعنى الحقيقي.

تفضل علينا الله سبحانه وتعالى بأنواع النعم التي لا يمكن إحصاؤها إطلاقا.

بالنتيجة كيف لنا أن نجمع بين حالنا وبين هذه الأحاديث.

إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْماًـ، أَوْ أَحَبَّ عَبْداً صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ صَبّاً، فَلَا يَخْرُجُ مِنْ غَمٍّ إِلَّا وَقَعَ فِي غَمٍّ...

نحن قد تمر علينا الأيام والشهور والسنين لا ندخل في غم، يجب أن نفكر بهذه المسألة، نحن الذي نخشاه -لا سمح الله- أن عدم وجود الغم في حياتنا يكون من باب الاستدراج. يقول الله عز وجل: «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ»، استدراج إلى مصير أسود.

الانسان ينبغي عليه أن يفكر ويتأمل ويتساءل اذا كانت كثرة النعم عليه لعلها من باب الاستدراج. ليس فقط نعمة المال، او الصحة، او العافية، بل كل النعم. لعلها كلها من باب الاستدراج.

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ، «إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ» يجب أن نفكر في هذه المسـألة ونمعن النظر بها، وأن نكون من الأشخاص الذين يعطون النعم لا للاستدراج.

نعم هناك جماعات الله سبحانه وتعالى يحبهم فيغدق عليهم من نعمه في الدنيا مع أن لهم مقامات كثيرة في الأخرة. يذكر هذه الرواية الشيخ الكليني في أصول الكافي:

عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب ]وغيره[ عن أبي حمزة، عن أبي جعفر )عليه السلام( قال:

إن لله عز وجل ضنائن يضن بهم عن البلاء، فيحييهم في عافية ويرزقهم في عافية ويميتهم في عافية ويبعثهم في عافية ويسكنهم الجنة في عافية. ٣٢ هل نحن من هذا القبيل أم لا؟ من قبيل القسم الأول؟

هل أن ما أنعم الله علينا من النعم هي من باب الاستدراج؟

يجب أن نفكر كثيراً حتى نعمل وفق وظائفنا الواجبة علينا.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.