في عهد الإمام عليه السلام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه إلى مالك الأشتر والذي يصلح أن يكون دستوراً للحكام والولاة وكل من بيده الأمر، ورد فيه هذه الفقرة والتي قال فيها:
ولْيَكُنْ أَحَبَّ الأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ، وإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ.
ولَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وأَقَلَّ مَعُونَةً لَه فِي الْبَلَاءِ، وأَكْرَه لِلإِنْصَافِ، وأَسْأَلَ بِالإِلْحَافِ، وأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الإِعْطَاءِ، وأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ.
وإِنَّمَا عِمَادُ، الدِّينِ وجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، والْعُدَّةُ لِلأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ، مِنَ الأُمَّةِ، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ. ٤٢
كأنه الحديث قبل هذا يقسّم الناس بالنسبة للوالي فإن الناس على صنفين:
عامة خاصة ويأمره بأن يميل إلى العامة.
العامة والخاصة مصالحهم متضاربة. فهو يأمره بأن يميل الى العامة.
بل يأمره -كما سيأتي- أن يميل معهم. يعني يقول له الميل القلبي والحب القلبي لا بد أن يكون مع العامة. وأكثر من هذا يقول له إذا العامة مالت إلى شيء، يأمره بأن يميل معهم، لـكسب رضاهم وودهم.
طبعاً فيما يرضي الله وضمن المقررات الشرعية، وهذا واضح، لـكن عندما يرون شيئاً لا يخالف المقررات الشرعية، والخاصة ترى شيئا، فالإمام عليه السلام يأمره أن يميل معهم.
وبعد ذلك يقسم هؤلاء إلى فئتين، فيقول:
ليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤنة في الرخاء، -بعدين يأتي الجواب- من أهل الخاصة، الخواص أثقل على الوالي مؤنة في أيام الرخاء. طلباتهم توقعاتهم زائدة. العامة مساكين. طلباتهم محدودة، لا شيء إلا بمقدار ما يمرر به معاشهم.
ولَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وأَقَلَّ مَعُونَةً لَه فِي الْبَلَاءِ، وأَكْرَه لِلإِنْصَافِ، وأَسْأَلَ بِالإِلْحَافِ، وأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الإِعْطَاءِ، وأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ.
من الذي يعين الوالي عند البلاء؟
العامة، هم الذين يعينون الحاكم في البدعة.
ومن أكرههم للإنصاف؟
ليس أحد من الرعية أكره للإنصاف ولا يريدون الإنصاف، هم أهل الخاصة.
لا يريدون العدل لأن الإنصاف يضر بمصالحهم ولا يحقق لهم ما يريدون.
الوالي المفروض ينصف العامة عادة على حساب هؤلاء المتنفذين.
ولذا هم يكرهون الإنصاف والعدل، لأنه يضر بمصالحهم.
فهم أكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف !ٔي الإلحاح.
بماذا يقترن سؤال الخاصة؟
أكثر سؤالاً من دون الإلحاح هم العامة إما لا يسأل أو يسأل لمرة إذا لم يأت الجواب يسكت عن الطلب.
لـكن الخاصة يلحون في السؤال حتى يحققوا ما يريدون.
وأقل شكرا عند الإعطاء.
بينما العامة عندما تعطيه ولو بمقدار قليل هو يشكر كثيراً ويحمد الله سبحانه وتعالى.
وأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الإِعْطَاءِ، وأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ.
يأتي التأكيد من الامام عليه السلام ان هم عماد الدين؟
وإِنَّمَا عِمَادُ، الدِّينِ وجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، والْعُدَّةُ لِلأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ، مِنَ الأُمَّةِ، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ، ومَيْلُكَ مَعَهُمْ عماد الدين جماع المسلمين والعدة للأعداء هم من العامة، لا الخاصة.
الصغو هو الميل القلبي.
بمعنى أنهم إذا مالوا إلى شيء من الأشياء فيما يرتبط في حياتهم وأمورهم، الامام عليه السلام يأمر مالك الاشتر بأن يميل معهم. وهذا في الحقيقة بالنسبة لنا درس أن نتعلم كيف نداري العامة.
لا يكون همنا أن نداري الخاصة.
الخاصة لهم طرقهم ويتوسلون في الحيل للوصول إلى أهدافهم والوصول إلى ما يريدون، لـكن كيف بالعامة؟
هؤلاء ليس لهم طريق للوصول إلى ما يريدون.
فلذلك هو يأمر الوالي والحاكم والمتنفذ ومن بيده الأمر ومن له السلطة المطلقة، يأمره بمداراة العامة وكسب ودهم، لأنهم سيقفون معه في ساعات الشدة.
من الذي وقف إلى جانبنا؟
ونحن رأينا أعيننا بأم أعيننا كيف أن العامة وقفت معنا في ساعات الشدة، في هذه القضية الأخيرة، قضية داعش، وقفوا معنا، ووقفوا مع الفتوى ومع المرجعية، وقفوا بجد وبإخلاص وبلا توقع.
كان أحدهم يذهب إلى هناك لا ينكر حتى يرجع إلى أهله.
قدموا الدماء وقدموا التضحيات، ووقفوا إلى جانبنا.
الخاصة، هؤلاء الذين يريدون أن يحصلوا على كل شيء بلا مقابل، هؤلاء لم يقفوا معنا في ساعات الشدة. بل من وقف معنا ساعات العصيبة هم العامة.
علينا أن نحسن كيفية نتعامل معهم. علينا أن نشعرهم بأننا منهم وإليهم.
وأننا لا نفضل عليهم أحدا مهما كان.
هذه وصية الإمام عليه السلام لهذا الحاكم ولهذا الوالي عندما بعثه إلى مصر، وهي وصية تشملنا. نحن علينا أن نعرف كيف نداري العامة، كيف نتعامل مع هؤلاء، لا أن نتكبر عليهم لا أن ننفصل عنهم لا أن يكون طريقنا غير طريقهم.
لابد أن نتواضع وأن ننزل إليهم وأن نحتضنهم وأن ونواسيهم فيما يعانونه من مشاكل ومن فقر ومن مرض، الى آخره من مصائب ومعاناة.
هذه وظيفتنا جميعا حتى نكسب ود هؤلاء العامة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.