التوبة من المواضيع المهمة، والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بكل انسان مؤمن يهتم بتزكية نفسه وتربيتها.
ونحن كلنا نحتاج إلى التوبة لـكثرة الذنوب التي تصدر منا سواء التفتنا أو لم نلتفت إليها، ذكرناها أو لم نذكرها. فلو كان الإنسان يَحْسِبَ الذنوبَ التي يرتكبها، لوجد أن الذنوب التي ٺتكرر طيلة حياته كثيرة جدا. لعله لا يساوي هذا العدد إلا النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، كما أن النعم كثيرة، لـكن الإنسان يقابل هذه النعم بالذنوب الـكثيرة.
وهذا ما يذكرنا بدعاء الامام زين العابدين الذي أملاه على أبي حمزة الثمالي، حيث يقول:
ذُنُوبُنَا بَيْنَ يَدَيْكَ نَسْتَغْفِرُكَ اللَّهُمَّ مِنْهَا وَنَتُوبُ إِلَيْكَ...
تَتَحَبَّبُ إِلَيْنَا بِالنِّعَمِ وَنُعَارِضُكَ بِالذُّنُوبِ خَيْرُكَ إِلَيْنَا نَازِلٌ وَشَرُّنَا إِلَيْكَ صَاعِدٌ وَلَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ يَأْتِيكَ عَنَّا بِعَمَلٍ قَبِيحٍ فَلَا يَمْنَعُكَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ تَحُوطَنَا بِنِعَمِكَ وَتَتَفَضَّلُ عَلَيْنَا بِآلَائِكَ...
لذا نحن دوما نحتاج إلى التوبة.
هناك رواية في هذا الباب وهي صحيحة سنداً. رواية يرويها محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام يقول: قال:
يَا مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ ذُنُوبُ الْمُؤْمِنِ إِذَا تَابَ مِنْهَا مَغْفُورَةٌ لَهُ فَلْيَعْمَلِ الْمُؤْمِنُ لِمَا يَسْتَأْنِفُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ.
أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهَا لَيْسَتْ إِلَّا لِأَهْلِ إِيمَانٍ.
ليفتح صفحة جديدة بعد الاستغفار والتوبة، أما والله إنها ليست إلا لأهل الإيمان البشرى كبيرة بالنسبة لنا.
قُلْتُ: فَإِنْ عَادَ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ وَعَادَ فِي التَّوْبَةِ.
يعني بعد أذنب واستغفر وتاب من ذنوبه ثم عاد إلى التوبة.
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ، أَتَرَى الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ يَنْدَمُ عَلَى ذَنْبِهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْهُ وَيَتُوبُ، هذا أول شرط من شروط قبول التوبة الندم على الذنب، ثُمَّ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ؟!
قُلْتُ: فَإِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مِرَاراً، يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ وَيَسْتَغْفِرُ!
فَقَالَ: كُلَّمَا عَادَ الْمُؤْمِنُ بِالاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ عَادَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ. فَإِيَّاكَ أَنْ تُقَنِّطَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. هكذا ينبغي أن تعتقد بالله عز وجل!
فالله سبحانه وتعالى رحمته وسعت كل شيء.
في الحديث ورد بأن لله رحمة يطمع فيها حتى إبليس!
هل تعتقد أن العبد إذا أذنب لـكنه ندم على ذنبه وندم على ما عمله، واستغفر الله وتاب، فإن الله لا يغفر له ذنبه؟
الله ليس هكذا. ثم لا يقبل توبته؟
أي يذنب ويتوب مراراً، يذنب ثم يتوب ويستغفر الله. فقال الإمام:
كُلَّمَا عَادَ الْمُؤْمِنُ بِالاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ عَادَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ.
فَإِيَّاكَ أَنْ تُقَنِّطَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
قاعدة كلية طبقها على جميع الموارد.
وإن الله غفور رحيم يقبل التوبة ويعفو عن السيئات، فإياك أن تقنط المؤمنين من رحمة الله. أي لا تقول للمؤمن لأنك أذنبت كثيرا وعدت وأذنبت، فإن الله لا يغفر لك.
لا تقنط المؤمنين من رحمة الله الواسعة فهو يقبل التوبة عن العباد دائما وأبدا.
اجعلهم يتمسكون بهذا الأمل الموجود عندهم في أن الله يتوب عليهم إذا تابوا فان الله يعود عليهم بالمغفرة إذا رجعوا إليه.
لـكن هذه مشروطة بهذا الشيء.
فهل أن الله يقبل التوبة بلا إشكال؟ وهي قضية حتمية ولا شك فيها؟
عندما تتم التوبة بشروطها، ومن شروط التوبة كما أشارت إليه الرواية الشريفة: الندم والعزم على ترك المعصية.
لا يجوز أن يتوب وهو ليس عازم على ترك المعصية، هذا الذي يتوب وهو باق على ذنبه في الروايات كالمستهزئ.
التوبة تحتاج الى ندم على ما صدر، ندم حقيقي وندم باللسان وإظهار الندم الحقيقي وهو يحتاج إلى عزم على ترك المعصية، فإن الله سبحانه وتعالى حتماً يقبل منه توبته.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.