في رواية في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام ترتبط بمسألة أن الإنسان دائما لابد أن يكون على خوف من الله سبحانه وتعالى، وخوف مما يحصل في الاخرة، ما يواجهه الانسان، قبل موته وعند موته وبعد موته، دائما أن يكون في حالة خوف من هذا، الرواية تامة سندا صحيحة الحذاء تقول:
الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه )ع( قال:
الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ ذَنْبٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا صَنَعَ اللَّهُ فِيهِ وعُمُرٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ مِنَ الْمَهَالِكِ فَهُوَ لَا يُصْبِحُ إِلَّا خَائِفاً وَلَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْخَوْفُ. ٩٢ الإنسان لا يصلحه إلا الخوف.
طبعا الروايات بهذا المعنى كثيرة جدا، منها هذه الرواية:
الكافي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ )ع(:
يَا إِسْحَاقُ خَفِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ وَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَا يَرَاكَ فَقَدْ كَفَرْتَ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاكَ ثُمَّ بَرَزْتَ لَهُ بِالْمَعْصِيَةِ فَقَدْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَهْوَنِ النَّاظِرِينَ عَلَيْكَ.
يقول العلامة المجلسي:
توضيح اعلم أن الرؤية تطلق على الرؤية بالبصر وعلى الرؤية القلبية وهي كناية عن غاية الانكشاف والظهور والمعنى الأول هنا أنسب أي: خف الله خوف من يشاهده بعينه وإن كان محالا ويحتمل الثاني أيضا فإن المخاطب لما لم يكن من أهل الرؤية القلبية ولم يرتق إلى تلك الدرجة العلية فإنها مخصوصة بالأنبياء والأوصياء )ع(، قال: كأنك تراه وهذه مرتبة عين اليقين وأعلى مراتب السالكين.
وقوله: فإن لم تكن تراه أي إن لم تحصل لك هذه المرتبة من الانكشاف والعيان فكن بحيث تتذكر دائما أنه يراك وهذه مقام المراقبة، كما قال تعالى:
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
والمراقبة مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به والمثمر لها هو تذكر أن الله تعالى مطلع على كل نفس بما كسبت وأنه سبحانه عالم بسرائر القلوب وخطراتها فإذا استقر هذا العلم في القلب جذبه إلى مراقبة الله سبحانه دائما وترك معاصيه خوفا وحياء والمواظبة على طاعته وخدمته دائما.
وقوله: وإن كنت ترى تعليم لطريق جعل المراقبة ملكة للنفس فتصير سببا لترك المعاصي، والحق أن هذه شبهة عظيمة للحكم بكفر أرباب المعاصي ولا يمكن التفصيل عنها إلا بالاتكال على عفوه وكرمه سبحانه ومن هنا يظهر أنه لا يجتمع الإيمان الحقيقي مع الإصرار على المعاصي كما مرت الإشارة إليه.
ثم برزت له بالمعصية أي أظهرت له المعصية أو من البراز للمقاتلة كأنك عاديته وحاربته وعليك متعلق بأهون.
نعم، تعلم أنه يراك وبرزت إليه بالمعصية جعلته أهون الناظرين، فقد الإنسان يتخفى ويتستر أمام عاقل وأمام إنسان مثله، لـكن كأنه أمام شيء غير عاقل لا يتخفى ولا يتستر، ويقول له: جعلته أهون الناظرين.
يجب أن يلتفت لها الانسان، هذا الخوف إذا اقترن بالرجاء، عندئذ سوف يخلق حالة توازن في نفس الإنسان المؤمن، رجاء من جهة وخوف من جهة، لأن انفراد أحدهما دون الأخر فيه مشكلة، فلو تفرد الخوف بالإنسان دائما فهو خائف من الله سبحانه من دون رجاء فان هذا يوصله إلى حالة اليأس والقنوط.
ونحن نعلم أن من الكبائر اليأس من روح الله، وهذا منهي عنه شرعا لا يريده الشارع.
كما أن الرجاء لو تفرد فيه الانسان من دون خوف، هذا أيضا يوصل الإنسان إلى التكاسل، وعدم القيام بالوظائف الشرعية، فأن يرجو رحمة ربه، لـكن يرجوه بلا عمل ويرجوه بلا أن يكون عنده ما يقدمه لله سبحانه وتعالى، فان مثل هذا الرجاء وحده غير كافٍ، ويؤدي إلى التكاسل، ويؤدي إلى إهمال الوظائف الشرعية اعتمادا على هذا الرجاء.
أن تجمع بين الأمرين
المهم في هذه الروايات أنك تجمع بين الأمرين، بين الرجاء وبين الخوف، حينئذ تخلق حالة نفسية من التوازن والاستقرار. لأن الإنسان يعيش بين الخوف وبين الأمل أو الرجاء.
الخوف من الله سبحانه وتعالى يدفعه للعمل، وتجنب ما لا يرضيه، والإتيان بما يرضيه.
فلا بد أن يأتي المرء بما يرضي الله سبحانه وتعالى، ولو على مستوى الاحتمال، فالخوف يدفع الإنسان لذلك، ومن جهة أخرى فان الرجاء يدفعه إلى عدم اليأس، والاستزادة من الأعمال والإتيان بالأعمال التي دلت النصوص على أنها ترضي الله سبحانه وتعالى، فالخوف من جهة والرجاء من جهة، هذا هو الذي يصلح الإنسان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الخوف منه ورجاء رحمته سبحانه وتعالى.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.