دُرّ النجف

المواعظ والتأملات

الدعاء: أهميته وشروطه

هناك رواية صحيحة معتبرة سندا مروية في الكافي في تفسير قوله تعالى:

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لـَكُمْ، «إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ» عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة عن أبي جعفر )عليه السلام( قال:

إن الله عزوجل يقول:

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عبادتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ قال: هو الدعاء وأفضل العبادة الدعاء.

قلت:

«إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» قال: الاواه هو الدعاء.

وفي الكافي عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل وابن محبوب، جميعا عن حنان بن سدير، عن أبيه قال:

قلت لابي جعفر )عليه السلام(: أي العبادة أفضل؟

فقال: ما من شيء أفضل عند الله عزوجل من أن يسئل ويطلب مما عنده وما أحد أبغض إلى الله عزوجل مِمَّنْ يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْأَلُ مَا عِنْدَهُ نعم أفضل شيء هو الدعاء، وهذا الذي نحن غافلين عنه حقيقة.

الذي يظهر من الروايات أن الدعاء مطلوب.

المسألة من الله سبحانه وتعالى مطلوبة.

بل أكثر من هذا: ان الإلحاح في المسألة مطلوب، والإلحاح في الدعاء مطلوب.

بل أن الإنسان إذا دعا بشروط الدعاء التي تذكر، فستكون الإجابة مضمونة.

ما هي الشروط المعتبرة في الدعاء؟

الشروط المعتبرة في الدعاء ثلاثة:

التوجه الكامل: أن يتوجه إلى الله بقلبه حقيقة.

حسن الظن بالله سبحانه وتعالى: بأن يكون الداعي على يقين من الإجابة وأن الله سيستجيب دعاءه.

تأثر الإنسان الذي يظهر كما هو واضح بالبكاء.

وقفة مع البكاء في الدعاء!

نعم ان البكاء مطلوب، بل حتى التباكي مطلوب في أثناء الدعاء. فعندما ينقطع الإنسان إلى ربه ويطلب منه حاجة، فان التباكي أيضا مطلوب إذا لم يستطع أن يبكي، فيقهر نفسه على البكاء ليحمل نفسه على البكاء.

وليس المقصود التباكي هو إظهار البكاء للغير حتى يصدق عليه الرياء، ليس هذا هو المقصود كما هو واضح، ولـكن المقصود هو حمل نفس على البكاء.

فهذه الأمور الثلاثة التي تظهر من الروايات إذا تمت، أي إذا دعا بإخلاص، وبحسن نية وبتوجه كامل وانقطاع كامل إلى الله سبحانه وتعالى، وكان على يقين من أن الله سيستجيب دعاءه، واقترن ذلك بالبكاء أو التباكي والتوسل إليه سبحانه وتعالى، عندئذ سيستجيب الله دعاءه.

ولماذا لا يستجيب دعاءه؟

إلا إذا كانت هناك أمور يعلم بها الله سبحانه وتعالى وتقتضيه المصلحة ألا يحقق هذا الشيء، هذا شيء آخر، لـكن في الأمور الاعتيادية، سيستجيب دعاءه حتما، لأن الروايات تدل على ذلك، الأدلة تدل على ذلك.

لو لم يستجب الله الدعاء؟!

لـكن لو فرضنا أن الله سبحانه وتعالى لم يستجب دعاءه، هل هذا معناه أنه يترك هذا الانقطاع إلى الله والتوسل بالله والمساءلة؟

لا، فالروايات تقول لابد من الإلحاح، ولابد من تكرار المسألة مرة ومرتين، ينقل الـكفعمي في مصباحه:

يَا مَنْ لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ يَا مَنْ لَا يُغَلِّطُهُ السَّائِلُونَ يَا مَنْ لَا يُبْرِمُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ أَذِقْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ وَمَغْفِرَتِكَ وَحَلَاوَةَ رَحْمَتِكَ. ٣٣ الله سبحانه وتعالى، كما في بعض الروايات، يحب لعبده أن ينقطع إليه، ويتوسل ويطلب منه ويبېن له احتياجه إليه وفقره إليه. فهذا كله مطلوب من العبد!

فإذن لا ينبغي لنا أن نترك الدعاء في هذا الظرف العصيب الذي نعيش فيه، علينا أن ندعو، وأن نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى في أن يكشف عنا هذه الغمة، وأن نلح في الدعاء.

توجد رواية معتبرة أيضا مناسب قراءتها في هذا المجال مروية في الكافي، بسند صحيح عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن ميسر بن عبد العزيز عن أبي عبد اللّه )عليه السلام( قال:

قال لي يا ميسر، ادع ولا تقل إن الأمر قد فرغ منه،

يعني صار عنده يائس بعدم الإجابة!

لأن المطلوب منه -كما قلنا- أن يكون عنده يقين بالإجابة.

فرغ منه: يعني يقين بعدم الإجابة، أو يائس من الإجابة. بينما المطلوب منه أن يكون عنده يقين بالإجابة عندما يدعو. يكمل الحديث فيقول:

إن عند اللّه عز وجل منزلة لا تنال إلا بمسألة.

ولو أن عبدا سد فاه ولم يسأل لم يعط شيئا فسل تعط.

هذه الرواية صحيحة... إذا كان عندنا يقين بهذه الرواية، فاسأل وسوف تعطى.

علينا أن نكثر من الدعاء، وأن نلحّ في تعجيل الفرج وفي كشف هذه الغمة عنا في سائر الأمور التي نبتلى بها.

يا ميسر إنه ليس من باب يقرع إلا يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لِصَاحِبِهِ.٤٣

اقرع الباب واسأل، وأكْثِر من السؤال!

كل ما تقرع يوشك هذا الباب أن يُفْتَح، ويستجيب الله سبحانه وتعالى دعاءك.

هذه الأمور ينبغي الالتفات لها وأن نطبقها فنكثر من الدعاء، والالحاح والتوسل، وألا نتعب من ذلك، ونقول أن الأمر قد فرغ منه! لا أن الأمر لم يفرغ منه، فلا نيأس من الاستجابة! نسأل الله الموفقيّة وأن يستجيب الدعاء.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.