في سورة الأعراف يوجد مقطع قرآني في هذه يصوّر مشهد مرعب من مشاهد القيامة. المشهد في الآية كالتالي:
«وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ...» ٥٣ مما يؤكد وجود نوع من التواصل بين أصحاب النار وأصحاب الجنة، ولـكن لا نعرف كيفيته.
ماذا يريدون منهم وهم في النار يحـترقون؟
تمسهم حرارة والنار، جلودهم تنضج من حرارة النار؟
أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ...
هذا هو الطلب! تقديم الماء...
العبارة واضحة، باعتبار الحالة التي هم فيها في النار!
طبعا الذي تدور النار حوله وتمسه حرارتها أول ما يطلب ماذا؟
أول ما يطلب، أو أول ما يلتمس هو الماء. لماذا؟
ليبرد غليله قليلاً من هذه النار التي هو يتعذب فيها، ويأتي جوابه بشكل قاطع وواضح وصارم وحاسم، قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلـْكَٰفِرِينَ.
جواب قاطع ليس فيه أي مجال!
لا ماء ولا شيء مما رزق أصحاب الجنة.
وتستمر الآية وتقول:
ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ولقد قرأنا في الأصول أن الوصف مشعر بالعلّية.
فاذا قلت: أكْرِم زيداً العالِم. يُشعر أن علةَ وجوبِ إكرامِه هو علمُه.
كما أنه إذا قلت: لا تُكْرِمْ زيداً الفاسقَ. يشعر أن علة عدم إكرامه أو النهي عن إكرامه هو كونه فاسقاً.
الآية الشريفة تصف هؤلاء الكافرين الذين حرم الله سبحانه وتعالى عليهم الماء وغير الماء، وهم في تلك الحالة، تصفهم بأنهم الذين اتخذوا دينهم ولهواً ولعباً. هذا مشعر بالعلية!
أي أن السبب والعلة في حرمانهم من هذه الأمور البسيطة، والتي يحتاجونها حاجة ماسة وهم في تلك الحال شيئان:
اتخاذ الدين لهواً ولعب، والاغترار بالحياة الدنيا هذا هو السبب في وصولهم إلى هذه الدرجة من العقاب، وتلك الدرجة مرعبة ومخيفة.
الإنسان يتضور من حرارة النار، ومن الحرارة التي يعيشها في قعر جهنم. فهو يريد شيئاً من الماء فيحرم منه، لماذا؟
لأنهم اتخذوا دينهم لهواُ ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا، هذان الأمران لابد أن نلتفت إليهما حتى لا نصل إلى تلك الحالة -نستجير بالله-.
ما معنى اتخاذ الدين لهواً ولعب؟
غرتهم الحياة الدنيا واضح، أن الإنسان يغتر بهذه الحياة الدنيا، ويتعامل مع الحياة الدنيا وكأنها باقية وأبدية، وكأنه ليس هناك حياة أخرى ينتقل من هذه الحياة إليها، فتغره الحياة الدنيا فيفسد نفسه، ويطلق لها العنان في التمتع بهذه الدنيا بحيث تكون هي مطلبه ومقصوده ومراده.
في مقابل هذا يوجد اتخاذ الدين لهواً ولعباً، وهذا ما يجب أن نفهمه: ما معنى اتخاذ الدين لهواً ولعباً؟ ومن الذي يتخذ الدين لهواً ولعباً حتى يستحق هذه الدرجة من العقوبة؟
ليس بالضرورة أن يكون المقصود به أشخاص يدخلون الدين لغرض اللهو واللعب فرضاً، بل حتى الداخل في الدين أساساً، والمسلم أساساً، والمؤمن أساساً.
فما معنى أن يتخذ الدين لهواً ولعب؟
معناه أنه لا يتعامل بجدية مع الدين.
الدين الذي يمثل الأحكام الشرعية كلها، أي كل ما جاء به الشارع، هذا ما يمثل الدين، والتعامل مع هذه الأحكام الشرعية بنحو اللهو واللعب.
وبتعبير آخر أن هذا الشخص يتلاعب مع الدين!
وليس بالضرورة أن يكون مصداقه من قبيل معاوية وأمثاله من الطواغيت والحكام، بل قد ينطبق علي وعلى غيري.
عندما لا يتعامل الإنسان مع الدين بجدية، ولا يتعامل مع الأحكام الإلهية بجدية، ولا يهتم بها -يلعب بها-، عندما يحتاج إليها حينئذٍ هو يلتفت إليها ويلتزم بها، لـكن سرعان ما ينساها عندما لا تصب بمصلحته.
الامام الحسين صلوات الله وسلامه عليه له كلمة معروفة:
الدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ...
أي:
ما دام الدين يكون في نفعي أنا ألتزم به، لـكن عندما لا يكون في نفعي لا ألتزم به، عندما تكون الأحكام الشرعية تفرض علي شيء يطابق ميلي وهواي فاني أعمل بها بوجه كامل وواضح، لـكن عندما لا ٺتطابق مع ميلي وهواي فاني لا أعمل بها.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.