دُرّ النجف

المواعظ والتأملات

العافية والإملاء

الشيخ الكليني في الكافي عقد باباً في الجزء الثاني في صفحة أربعمائة واثنين وستين، سماه: باب المعافين من البلاء، وذكر ثلاث روايات، القدر المتيقن من هذه الروايات، أن واحدة منها صحيحة السند حتماً، الثانية سندها ظاهراً صحيح، الثالثة إذا أخذنا بظاهر السند أيضاً صحيحة وتامة سنداً.

الرواية الأولى

عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد ; وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب ]وغيره[ عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال:

إن لله عزوجل ضنائن يضن بهم عن البلاء فيحييهم في عافية ويرزقهم في عافية ويميتهم في عافية وَيَبْعَثُهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَيُسْكِنُهُمُ الْجَنَّةَ فِي عَافِيَةٍ

الرواية الثانية

عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سمعته يقول:

إن الله عزوجل خلق خالقا ضن بهم عن البلاء خلقهم في عافية، وأحياهم في عافية، وأماتهم في عافية، وَأَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ فِي عَافِيَةٍ. ٧٣

الرواية الثالثة

علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا عن جعفر بن محمد، عن ابن القداح، عن أبي عبدالله عليه السلام قال:

إن لله عزوجل ضنائن من خلقه يغذوهم بنعمته، ويحبوهم بعافيته، ويدخلهم الجنة برحمته، تَمُرُّ بِهِمُ الْبَلَايَا وَالْفِتَنُ لَا تَضُرُّهُمْ شَيْئاً.٨٣

تأمل في الروايات

أما الرواية الأولى فالإشكال في سندها أن الحسن بن محبوب لا يمكن أن يروي عن أبي حمزة. فهناك فاصل زمني بين الحسن بن محبوب وبين أبو حمزة الثمالي المقصود بأبي حمزة الثمالي، هذا إشكال السند في هذه الرواية.

وأما الرواية الثانية، فهي تامة السند.

والرواية الثالثة، فليس فيها من يتكلم الا جعفر بن محمد جعفر عن مشترك، لـكن هناك احتمال قوي جدا أنه جعفر محمد بن يونس المنصوص على وثاقته عند الشيخ الطوسي.

لماذا نقول هذا المقصود مع أنه مشترك بين أشخاص كثيرين جدا؟

القرينة على هذا هو رواية إبراهيم بن هاشم عنهم، وقد نص في المشتركات على أنه يعرف جعفر بن محمد.

لأن الشيخ الصدوق في طريقه إلى جعفر بن محمد بن يونس ذكر الطريق وكان ينتهي بإبراهيم بن هاشم عنه، وهو راوي كتابه، فيجعل قرينة على أن المقصود به في المقام.

ويقول وعدد من أصحابنا عن سهل بن زياد، جميعا عن جعفر بن محمد، يعني: إبراهيم يروي عن جعفر بن محمد، وسهل بن زياد أيضا يروي عن جعفر بن محمد.

فالظاهر أنه: جعفر محمد ابن يونس عن ابن القداح، أي عبد الله بن ميمون القداح، وهو ثقة منصوص على وثاقته، عن أبي عبد الله عليه السلام. هذه في قبال تلك الروايات.

الكلام في هذا: هل نحرز دخولنا في هذه الروايات وأن نكون من مصاديقها؟

هل أن الله سبحانه وتعالى يضن بنا عن البلاء؟

السؤال الذي نطرحه نحن على أنفسنا، ما الشيء الذي قدمناه لله سبحانه وتعالى حتى نحرز أننا ندخل في هذه العناوين؟

يعني أن يضن بنا الله سبحانه وتعالى عن البلاء!

من الصعب جدا إحراز هذا، بل حتى احتمالا ليس سهلا، لأننا لم نقدم شيئا!

هذه مراحل متقدمة جدا من الـكمال والطاعة.

الأئمة عليهم السلام وأمثالهم وصلوا إلى تلك الدرجات العليا، وتجنبوا المعاصي وتجنبوا الآثام وفعلوا الواجبات والمستحبات، وتجنبوا الشبهات، وهناك من اتعظ بما ورد عنهم عليهم السلام من أن الدنيا في حرامها عقاب، وفي حلالها حساب، وفي الشبهات عتاب، وحتى في حلالها حساب للإنسان!

هؤلاء الأشخاص الذين وصلوا الى هذه المراحل، فهؤلاء يضن الله بهم سبحانه وتعالى عن البلاء، طبعا، إذا شاءت حكمته ذلك!

والا قد البلاء ينزل على الأنبياء عليهم السلام ثم الأمثل فالأمثل لحكمة منه سبحانه وتعالى.

على كل حال نحن لا نحرز أننا ندخل في هذه الروايات ولا نحتمل ذلك.

نحن ندخل في طائفة الأخرى من الروايات!

تلك التي تقول بأن الله سبحانه وتعالى إذا أنعم على الإنسان وكثرت نعمه عليه، فهناك احتمال أن يدخل فيها تحت عنوان الاستدراج والاملاء!

في رواية في الوسائل، عنهم عن سهل بن زياد وعن علي بن إبراهيم عن أبيه جميعاً عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن بعض أصحابه قال: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عليه السلام عَنِ الِاسْتِدْرَاجِ، فَقَالَ:

هُوَ الْعَبْدُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ، فَيُمْلَى لَهُ ويُجَدَّدُ لَهُ عِنْدَهَا النِّعَمُ، فَيُلْهِيهِ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ، فَهُوَ مُسْتَدْرَجٌ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ. ٩٣ فعندما يكون الإنسان في نعمة دائمة لا يمسه البلاء ولا تمسه، فليخف من نفسه وعليها!

لماذا لا يصاب بالبلاء كما يصاب الأخرون؟ هنا نخشى أن يكون هذا من باب الابتلاء والإملاء والاستدراج، ونحن علينا أن نحذر من ذلك، ونراقب أنفسنا حتى لا ننزلق في هذا المجال.

نسأل الله سبحانه وتعالى الهداية لـكم ولنا ولجميع المؤمنين.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.