ينقل في نهج البلاغة بأن الإمام عليه السلام قال لرجل سأله الموعظة وطلب منه أن يعظه كلاما مؤثرا. بعد نقله الكلمات، يعلق الشريف الرضي رضوان الله عليه فيقول:
لو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام، لكفى به موعظة ناجعة وحكمة بالغة، وبصيرة لمبصر وعبرة لناظر مفكر.
ننقل الكلمات لنستفيد منها. قَالَ أمير المؤمنين عليه السلام لِرَجُلٍ سَأَلَه أَنْ يَعِظَه:
لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، ويُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ.
يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ، ويَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِينَ.
إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ وإِنْ مُنِـعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ.
يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ ويَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ، يَنْهَى ولَا يَنْتَهِي ويَأْمُرُ بِمَا لَا يَأْتِي، يُحِبُّ الصَّالِحـِينَ ولَا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ، ويُبْغِضُ الْمُذْنِبِېنَ وهُوَ أَحَدُهُمْ.
يَكْرَه الْمَوْتَ لـِكَثْرَةِ ذُنُوبِه، ويُقِيمُ عَلَى مَا يَكْرَه الْمَوْتَ مِنْ أَجْلِه.
إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً وإِنْ صَحَّ أَمِنَ لَاهِياً، يُعْجَبُ بِنَفْسِه إِذَا عُوفِيَ ويَقْنَطُ إِذَا ابْتُلِيَ.
إِنْ أَصَابَه بَلَاءٌ دَعَا مُضْطَرّاً وإِنْ نَالَه رَخَاءٌ أَعْرَضَ مُغْتَرّاً.
تَغْلِبُه نَفْسُه عَلَى مَا يَظُنُّ ولَا يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ.
يَخَافُ عَلَى غَيْرِه بِأَدْنَى مِنْ ذَنْبِه، ويَرْجُو لِنَفْسِه بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِه.
إِنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ وفُتِنَ وإِنِ افْتَقَرَ قَنِطَ ووَهَنَ.
يُقَصِّرُ إِذَا عَمِلَ ويُبَالـِـغُ إِذَا سَأَلَ.
إِنْ عَرَضَتْ لَه شَهْوَةٌ أَسْلَفَ الْمَعْصِيَةَ وسَوَّفَ التَّوْبَةَ، وإِنْ عَرَتْه مِحْنَةٌ انْفَرَجَ عَنْ شَرَائِطِ الْمِلَّةِ.
يَصِفُ الْعِبْرَةَ ولَا يَعْتَبِرُ، ويُبَالـِـغُ فِي الْمَوْعِظَةِ ولَا يَتَّعِظُ.
فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌّ ومِنَ الْعَمَلِ مُقِلٌّ.
يُنَافِسُ فِيمَا يَفْنَى ويُسَامِحُ فِيمَا يَبْقَى، يَرَى الْغُنْمَ مَغْرَماً والْغُرْمَ مَغْنَماً.
يَخْشَى الْمَوْتَ ولَا يُبَادِرُ الْفَوْتَ.
يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِه مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْه مِنْ نَفْسِه.
ويَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِه مَا يَحْقِرُه مِنْ طَاعَةِ غَيْرِه.
فَهُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنٌ ولِنَفْسِه مُدَاهِنٌ.
اللَّهْوُ مَعَ الأَغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْه مِنَ الذِّكْرِ مَعَ الْفُقَرَاءِ.
يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِه لِنَفْسِه، ولَا يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِه.
يُرْشِدُ غَيْرَه ويُغْوِي نَفْسَه، فَهُوَ يُطَاعُ ويَعْصِي ويَسْتَوْفِي ولَا يُوفِي.
ويَخْشَى الْخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّه ولَا يَخْشَى رَبَّه فِي خَلْقِه.
بغير عمل...
أود أن اقف على اول عبارة في هذا النص الشريف:
لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، ويُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ.
هنا لا بأس أن نلاحظ كلمة "عمل".
فرق أن يقول الامام عليه السلام، عمل أو العمل.
يعني ان تكون العبارى كالآتي:
لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ العَمَلٍ مقابل الأصل:
لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ فالذي يرجو الاخر بغير العمل، يعني هو يرجو الاخرة بشيء اخر غير العمل.
والذي يرجو الاخرة بغير عمل، يأتي بلا عمل وهو يرجو الاخرة.
فالأولى: هو يرجو الاخرة لـكن بشيء غير العمل. لا ينفع في الاخرة إلا العمل.
فرضاً هو يرجو الاخر لـكونه ممن ينتسب الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مثلاً، هذا يرجو الآخرة بغير العمل، فما الذي ينفعك؟
الذي ينفعك هو العمل، هناك تأكيد على هذا الجانب.
ويرجّي التوبة...
ويُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ.
هنا يرجّي يعني أن يؤخر، يرجّي التوبة يعني يؤخر التوبة بطول الأمل.
يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ، ويَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِينَ.
إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ وإِنْ مُنِـعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ.
في مقام الكلام هو زاهد في الدنيا وفي مقام العمل والواقع هو من الراغبين بها المحبين لها، بل وفي بعض الأحيان هو ممن يؤثر الدنيا على الآخرة.
ان مسألة الاختلاف بين القول وبين السلوك الخارجي مهمة جدا.
فنحن محل ابتلاء لأن مقامنا ووضعنا يحتم علينا أن نقول كلام من هذا القبيل، كلام الزاهدين، كلام الله المتقين، كلام النبيين الهداة، ولـكن السؤال هل أن أفعالنا هي أفعال أهل الجاهلية؟
ان الاختلاف بين الكلام وبين العمل فيه مشاكل كثيرة غير تلك التي ترتبط بالإنسان نفسه. فبالإضافة الى أنه يعيش حالة التناقض وحالة عدم الانسجام، فهو يتكلم بشيء لـكن يعمل شيئاً أخر.
نعم، فهو يزهد في الدنيا وهو من أشد الراغبين فيها!
المسألة المهمة أن غيرنا يلاحظ هذه الأمور، وهو دقيق جدا بملاحظته.
يفهم أن هذا قوله غير عمله وسلوكه، وقوله فيه تناقض وغير منسجم مع قوله، وهذا يُفْقِدُ الإنسان تأثيره على الغير، ولا يستطيع أن يهدي القوم ويهدي الناس ويرشدهم، لأنه عندما يتكلم بكلام الزاهدين ويتكلم بكلام الأنبياء غرضه هداية الناس، ولـكنه يفقد هذا التأثير عندما يكون سلوكه يختلف تماما عن عمله.
تذكر قول الله عز وجل «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ»
عامة الناس لا يبتلون بمثل هذه الأمور حيث أنه ليس المطلوب منهم أن يتكلموا. ولـكن نحن مطلوب منا أن نتكلم، ومطلوب منا أن نخاطب الناس.
مضطرين لأن نخاطب الناس بكلام الأنبياء، بماذا نتكلم معهم؟
نحن نخاطب الناس بكلام الأنبياء، وبالالتزام بالشريعة ولزوم تقوى الله ...
فسلوكنا الخارجي هو الميزان، فعندما يكون السلوك مطابقاً للقول فسيكون الكلام مؤثراً، ويدخل في قلب المستمع، ويتأثر به بلا إشكال.
لـكن عندما يكون مختلف، فسوف تنفر الناس من هذا الإنسان، أو على الأقل أن هذا الكلام لا يكون مؤثرا فيهم.
هذا الشيء ينبغي الانتباه إليه!
إما ألا يتكلم الإنسان فهذا أحسن من أن يتكلم ويكون في عمله وسلوكه مخالفا لكلامه.
هذا الحديث موجهٌ للإخوة المبلغين وأصحاب المنابر، بل حتى نحن جميعاً...
أنا عندما أتكلم هنا ينبغي عليّ أن ألتفت إلى هذا الشيء، الى أن يكون كلامي مطابق لعملي، وإلا حينها سنفقد التأثير على الناس، ولا تتحقق الغاية المنشودة من الموعظة ومن النصيحة ومن أمثال هذه الأمور، نسأل الله التوفيق لـكم ولنا.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.