وَ مِمَّا أَمْلَاهُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ التَّاسِـعَ عَشَرَ مِنْهُ وَ سَمِعَهُ أَبُو الْفَوَارِسِ أَبْقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْجَلِيلُ الْمُفِيدُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ أَدَامَ اللَّهُ تَأْيِيدَهُ وَ تَوْفِيقَهُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ نُوحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ )رحمه اللّه( عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ )ع( أَنَّهُ قَالَ يَوْماً لِأَصْحَابِهِ:
إِخْوَانِي أُوصِيكُمْ بِدَارِ الْآخِرَةِ ولَا أُوصِيكُمْ بِدَارِ الدُّنْيَا فَإِنَّكُمْ عَلَيْهَا حَرِيصُونَ وبِهَا مُتَمَسِّكُونَ- أَ مَا بَلَغَكُمْ مَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ )ع( لِلْحَوَارِيِّينَ قَالَ لَهُمْ:
«الدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَاعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا». وَقَالَ: «أَيُّكُمْ يَبْنِي عَلَى مَوْجِ الْبَحْرِ دَاراً؟ تِلْكُمُ الدَّارُ الدُّنْيَا، فَلَا تَتَّخِذُوهَا قَرَاراً». ٤٤
قال لهم:
...الدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَاعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا...
مجرد مجاز أعبروها ولا تعمروها ...أَيُّكُمْ يَبْنِي عَلَى مَوْجِ الْبَحْرِ دَاراً...
يبني على موج البحر ليس له قرار، يتغير، ليس له الدوام، أو ثبات، دار الدنيا من هذا القبيل...
واضح من كلام الإمام عليه السلام أنه يحذر أصحابه من الاهتمام بدار الدنيا، وأن يجعل الإنسان دائماً اهتمامه بالآخرة.
في الأدعية علمونا الأئمة عليهم السلام بأن ندعو الله سبحانه وتعالى دائما، أن يجعل الآخرة مبلغ علمنا، وهي موضع اهتمامنا.
وأيضا علمونا أن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يخرج حب الدنيا من قلوبنا، لأن الحديث الشريف يقول:
... فَقَالَتِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ... ٥٤ الإنسان إذا استطاع أن يخرج حب الدنيا من قلبه يكون واصل إلى مرحلة كاملة مما يريده الله سبحانه وتعالى، فان الدنيا تشغل الإنسان عن كثير من الأعمال، وكما في الرواية فان الإنسان لم يخلق لـكي يتنعم بهذه الحياة الدنيا، وما هي الا طريق أو جسر خلق لـكي يعبر عليه الإنسان إلى دار الآخرة، فغير مفروض أن يهتم بها.
المطلوب من الإنسان أن يعيش في هذه الدنيا، ويوفر لنفسه ولعياله أسباب العيش المتعارف، لـكن ليس المفروض منه أن يهتم بالدنيا أكثر من اهتمامه بالآخرة.
بحسب تعبير الآية الشريفة:
وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۖ◌ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ۖ◌ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ◌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» لـكن المفروض أن يهتم بالآخرة ولا ينسى نصيبه من الدنيا. والذي يجب أن يلتفت اليه الانسان مقدار المعاش من هذه الحياة لا أكثر.
لـكن أن يكون كل تفكير الإنسان في الدنيا وملذاتها ونعمها وأسباب الراحة فيها، وأن يفكر فيها أربع وعشرين ساعة بهذا الشيء، هذا هو عين العيب الذي يكون في الإنسان.
لا سيما بالنسبة لنا، طلبة العلم!
المفروض ألا نجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، بالعكس ينبغي علينا أن نجعل الآخرة أكثر أهمية ومبلغ علمنا.
ينبغي أن نهتم بالآخرة أكثر، وأن نعوّد أنفسنا على أن نتخلص من هذه العلائق الدنيوية، وأن نتصرف بحيث لا توجد علائق دنيوية تربطنا بهذه
الحياة الدنيا، فلنعوّد أنفسنا على ذلك، لأننا بالنتيجة مقبلون على مفارقة هذه الحياة، ومقبلون على مفارقة من نحبهم من أولاد وأصدقاء!
علينا أن نعوّد أنفسنا بعدم الانشغال بها والاهتمام بها أكثر من اللازم، عسى أن نصل إلى ما وصل إليه -على الأقل أصحاب الأئمة عليهم السلام- فضلاً عن الأئمة عليهم السلام.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.