في رواية موجودة في تفسير القمي، يرويها بسند تام ظاهراً، إذا بنينا على نسبة الكتاب إلى الشيخ علي بن إبراهيم القمي، فهو يرويها عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن شريك العامري، عن أبي عبد الله )عليه السلام( في تفسير الآية:
«يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً» قال: سأل علي )عليه السلام( رسول الله )صلى الله عليه وآله( عن تفسير قوله:
يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَٰنِ وَفْدًا قال يا علي: ان الوفد لا يكون إلا ركبانا.
أولئك رجال اتقوا الله فأحبهم الله واختصهم ورضي اعمالهم فسماهم الله المتقين. ٨٤ وهذه غاية المنى بالنسبة للإنسان الذي يريد ان يصل الى درجات العالية، غاية المنى أن الله سبحانه وتعالى يحبه، وإذا أحبه فمعنى ذلك أنه يحب لقاءه.
ورد في الأدعية:
اللَّهُمَّ امْلَأْ قَلْبِي حُبّاً لَكَ وخَشْيَةً مِنْكَ وَتَصْدِيقاً لَكَ وَإِيمَاناً بِكَ وفَرَقاً مِنْكَ وشَوْقاً إِلَيْكَ يَا ذَا الْجَلَالِ والْإِكْرَامِ...
اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيَّ لِقَاءَكَ وأَحْبِبْ لِقَائِي واجْعَلْ لِي فِي لِقَائِكَ خَيْرَ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ... ٩٤ أي حبِّب إليّ لقاءك والخلوة بك والتقرب إليك ولذيذ مناجاتك، وفي نفس الوقت أحبب لقائي، متى يحب الله لقاء الإنسان؟
إذا وصل درجة المتقين، أولئك رجال اتقوا الله فأحبهم، واختصهم، مثلا نقرأ في الرواية فلان الراوي من خواص الإمام أبي عبد الله عليه السلام
وهذا غاية المدح، هؤلاء أيضاً الله سبحانه وتعالى اختصهم وهي درجة رفيعة جدا، ثم قال:
يا علي أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة انهم ليخرجون من قبورهم وبياض وجوههم كبياض الثلج عليهم ثياب بياضها كبياض اللبن عليهم نعال الذهب شِرَاكُهَا مِنْ لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ. ٠٥ رضي أعمالهم التي هي يتقون الله، يخافون الله سبحانه وتعالى، وأعمال أخرى تشير اليها الآية الأخرى قوله تعالى:
«إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ» ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمْ رَبُّهُمْ ۚ◌ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ
﴿٦١﴾
«كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»
«وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» هذه الأعمال هي التي جعلت الله سبحانه وتعالى يرضى عنهم ويقربهم ويحبهم ويجعلهم من خاصته،كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ )ع( يَقُولُ الْعَفْوَ ثَلَاثَمِائَةِ مَرَّةٍ فِي الْوَتْرِ فِي السَّحَرِ... ثُمَّ يَرْكَعُ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يَقُولُ:
هَذَا مَقَامُ مَنْ حَسَنَاتُهُ نِعْمَةٌ مِنْكَ وَسَيِّئَاتُهُ بِعَمَلِهِ وَ ذَنْبُهُ عَظِيمٌ وَ شُكْرُهُ قَلِيلٌ وَ لَيْسَ لِذَلِكَ إِلَّا دَفْعُكَ وَ رَحْمَتُكَ إِلَهِي طُمُوحُ الْآمَالِ قَدْ خَابَتْ إِلَّا لَدَيْكَ وَ مَعَاكِفُ الْهِمَمِ قَدْ تَعَطَّلَتْ إِلَّا إِلَيْكَ وَ مَذَاهِبُ الْعُقُولِ قَدْ سَمَتْ إِلَّا إِلَيْكَ فَأَنْتَ الرَّجَاءُ وَ إِلَيْكَ الْمُلْتَجَأُ يَا أَكْرَمَ مَقْصُودٍ وَ يَا أَجْوَدَ مَسْئُولٍ هَرَبْتُ إِلَيْكَ بِنَفْسِي يَا مَلْجَأَ الْهَارِبِينَ بِأَثْقَالِ الذُّنُوبِ أَحْمِلُهَا عَلَى ظَهْرِي وَ لَا أَجِدُ لِي إِلَيْكَ شَافِعاً سِوَى مَعْرِفَتِي أَنَّكَ أَقْرَبُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ الْمُضْطَرُّونَ وَ أَمَّلَ مَا لَدَيْهِ الرَّاغِبُونَ يَا مَنْ فَتَقَ الْعُقُولَ بِمَعْرِفَتِهِ وَ أَطْلَقَ الْأَلْسُنَ بِحَمْدِهِ وَ جَعَلَ مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ كِفَاءً لِتَأْدِيَةِ حَقِّهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ
وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ لَا تَجْعَلْ لِلْهُمُومِ عَلَى عَقْلِي سَبِيلًا وَ لَا لِلْبَاطِلِ عَلَى عَمَلِي دَلِيلًا.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِكَ الْمُنَزَلِ عَلَى نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ عَلَيْهِ وآلِهِ السَّلَامُ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ طَالَ هُجُوعِي وَ قَلَّ قِيَامِي وَهَذَا السَّحَرُ وَأَنَا أَسْتَغْفِرُكَ لِذُنُوبِي اسْتِغْفَارَ مَنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً وَلَا مَوْتاً وَلَا حَيَاتاً وَلَا نُشُوراً.
المطلوب منا أن توجد عندنا بعض ما عند المتقين من هذه الأعمال وغيرها، وأن نهتم بهذه الأمور لا أن نتسامح فيها، ونترك القيام بها للصدفة ولتوفر الظروف المناسبة، بل أن نلتزم التزام كامل، يخصص كل منا وقتا للتقرب إلى الله ومناجاة الله سبحانه وتعالى، نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من ذلك.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.